هل يمكن تفعيل حكومة تصريف الأعمال؟
المشاورات التي تسبق الاستشارات تتواصل للاتفاق على شخصية لتأليف آخر حكومة في عهد الرئيس ميشال عون أو على الأقل لرسم إطار لمواصفات الرئيس والحكومة التي أمامها القليل من الوقت والكثير من المهمات والتحدّيات. لكن هل يمكن تفعيل حكومة تصريف الأعمال في حال تعثر التأليف بعد اجتياز مهمّة التكليف؟
عندما نقل دستور الطائف الصلاحيات التنفيذية الكاملة من رئيس الجمهورية الى مجلس الوزراء مجتمعاً، كان ذلك انعكاساً لتسييل معطيات ميدانية بدأت بالتبلور منذ 6 شباط 1984 وكذلك الرغبة في إشراك الطوائف ولا سيما منها الكبرى في رسم السياسات العامة للبلاد وتحمّل المسؤولية مجتمعة.
لكن ذلك انعكس عدم انسجام في بعض الأحيان بين رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء، ما أدخل البلاد في ما عُرف بالاعتكاف و"الحرد" وصولاً الى النكد، ما انعكس سلباً على تسيير أمور البلاد والعباد بسبب وجهات نظر ممثلي الطوائف المتناقضة. بيد أن الأمور اليوم مختلفة فالبلاد في اسوأ أزمة في تاريخها، والخروج من الأزمة وإن جزئياً يتطلب خطوات تنفيذية وتلبية شروط صندوق النقد الدولي وكذلك إقرار الموازنة وتطبيق الإصلاحات وغيرها من الخطوات الضرورية من أجل عدم زيادة الكوارث على المواطنين بعدما ارتضى قسم منهم على ما يبدو بالقهر والجوع أو على الأقلّ استكان قليلاً. لكن ما من شيء تغيّر عند بعض أركان الطبقة السياسية حيث عاد الحديث الى التحاصص ما يشي بأن فترة تصريف الأعمال لحكومة الرئيس نجيب ميقاتي ستطول في انتظار الاستشارات ونتائجها وما إن كان ثمّة تأليف أم اكتفاء بالتكليف.
نصّ الدستور في مادته الـ64 على أن الحكومة المستقيلة تمارس صلاحياتها "بالمعنى الضيّق لتصريف الأعمال". وبوجود القاعدة الدستورية يبقى أفق الاجتهاد في معرض النصّ عقيماً، وفي السياق يؤكد الوزير السابق زياد بارود لـ"النهار" أن "تعويم الحكومة المستقيلة أو تفعيلها كلام في السياسة، لا ترجمة دستورية له في المباشر. ذلك أن الدستور واضح في المادة ٦٤ منه"، ويتابع "الآلية الدستورية واضحة لجهة وجوب الدعوة الى استشارات نيابية ملزمة لتسمية رئيس جديد للحكومة ومن ثم تشكيل هذه الأخيرة. وهذا يعني أن "تفعيل" الحكومة القائمة (المستقيلة) يقتصر على إعطائها بعض الزخم في السياسة، ولكن مع استحالة تخطيها المعنى الضيّق لتصريف الأعمال في ممارسة صلاحياتها، أي عدم جواز أن تُعقد اتفاقات مقيّدة للحكومة اللاحقة وعدم جواز عقد نفقات (قروض مثلاً)، بل اقتصار دورها على ما هو ملحّ للغاية و/أو يرتبط بمهل دستورية أو قانونية ملزمة.
وكذلك يعني أيضاً أن الطريقة الوحيدة "للتعويم" هي عبر تسمية رئيس الحكومة ذاته (إذا قرّر مجلس النواب ذلك) الذي يعرض بالاتفاق مع رئيس الجمهورية وموافقته التشكيلة الحكومة ذاتها، فيصدران المرسوم وتعدّ الحكومة بياناً وزارياً تتقدّم به إلى المجلس لنيل الثقة".
إذن لا طريق آخر ولا سيناريو خارج هذا الإطار الدستوري بحسب بارود، "وكل ما عداه يكون في سياق التوافق السياسي الذي قد يذهب في اتجاه منح الحكومة المستقيلة هوامش خارج المعنى الضيّق لتصريف الأعمال، فتقوم بما يعتبره اجتهاد مجلس شورى الدولة منذ ستينيات القرن الماضي خروجاً عن المعنى الضيّق لتصريف الأعمال وقابلاً تالياً للإبطال".
ويحذر بارود من "سلوك هذا التوجّه لعدم دستوريته حتى لو حصل التوافق السياسي عليه". ويجزم بأن "الدستور ليس وجهة نظر".
وشهد لبنان أكثر من حالة في توسيع مفهوم تصريف الأعمال سواء قبل الطائف أو بعده، ولعل تجربة الرئيس رشيد كرامي هي الأوضح من خلال إقرار حكومة مستقيلة الموازنة. وبعد الطائف على سبيل الذكر لا الحصر، اجتمعت حكومة الرئيس نجيب ميقاتي المستقيلة صيف عام 2013 بعد تكليف الرئيس تمام سلام في 6 نيسان 2013، وقد أجازت لها هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل ذلك، لاتخاذ قرار في شأن مرسومين يتعلقان بالتنقيب عن النفط.
إذن هناك سوابق في تفعيل تصريف الأعمال ولكن كل ذلك لا يعني البتة القفز فوق الدستور وعدم تطبيق موادّه.
عباس صباغ-النهار