لبنان ما بعد الانتخابات: يحتاج معجزة!
تشخص عيون اللبنانيين اليوم إلى ما بعد الإنتخابات، وتحديدا ما ينتظرهم على المستوى المعيشي والإقتصادي، في ظلّ معالم مشوشة للمرحلة المقبلة، وهواجس أبرزها إحتمال الدخول في تعثّر تشكيل حكومة جديدة أو في فراغ في سدّة الرئاسة الأولى أو الإحتمالين معا، وما يترتّب على ذلك من خضّة في العملة الخضراء وجحيم جديد.
هواجس تنتشر كالنار في الهشيم في فكر المواطن اليوم، تترقّب المزيد من الإنهيار الإقتصادي والإجتماعي، فالحدّ منه يتطلب هدوءا في الخطاب السياسيّ، ولا يمكن توقعه لاحقا لا سيّما مع تضاد الإنتماءات السياسيّة
فما هي ملامح المشهد السياسي البرلماني لما بعد الانتخابات ؟
لن يكون المشهد النيابي بعد العمليّة الإنتخابية مختلفا عمّا قبلها، برأي المحلّل السياسي توفيق شومان الذي أوضح لـ"الديار" أنّ القوى السياسية والحزبية، ستحافظ على إمساكها بالمشهد النيابي الجديد لأسباب شتى، منها القانون الإنتخابي المعمول به، وحيثياتها الشعبية، عدا أنّ الرموز الأخرى التي صنفت نفسها بـ " قوى التغيير "، عجزت عن طرح بدائل مقنعة أو برامج بديلة، مشيرا في المقابل إلى اختراقات، إنّما غير مؤثرة وغير وازنة وفاعلة، مختصرا المشهد، بوجود اتجاهين نيابيين كبيرين يمتلكان رؤيتين استراتيجيتين متناقضتين.
قريبًا: مؤتمر حوار لبناني- لبناني
في خضم ضبابيّة المشهد الحالي، ورغم التدخلات المشبوهة من قبل بعض الخارج في شؤون الداخل حصارا وتعطيلا، هناك آمال معلّقة عليه، فهل ينذر الجو الإقليمي والدولي بانفراج سياسي قريب دوليا ومن ثمّ محليّا؟
على ضفة الأجواء الإقليمية وانعاكساتها على الواقع اللبناني، يرى شومان أنّها ايجابية إلى حدّ ما، كاشفا أنّ الفرنسيين يعدّون العدّة لعقد مؤتمر حوار لبناني ـ لبناني برعاية سعودية وإيرانية، وأمامهم 3 استحقاقات، الأول: تشكيل حكومة ما بعد الإنتخابات، والثاني : التوافق على رئيس جمهورية جديد، والثالث : الحوار الإيراني ـ السعودي، متوقّعا إستجابة القوى السياسية للحوار.
ميقاتي رئيسا للحكومة بعد الانتخابات!
إلى ذلك، تتوالى مخاوف اللبنانيين بعد الإنتخابات حول استحقاق تشكيل الحكومة وما إذا كان سيتعثّر كما جرت العادة أو أن يحصل لكن مع اختلاف شكل الحكومة.
هنا يقول شومان إنّ مواصفات الحكومة المقبلة ورئيسها لن تختلف عن مواصفات الحكومة الحالية، من غير أن يستبعد إعادة تكليف الرئيس ميقاتي تشكيلها، إنما مع تعديلات ستأخذ بالحسبان احتمال أن تعمّر طويلا نتيجة احتمال عدم التوافق على رئيس جمهورية جديد، لافتا إلى المرشحيْن الأبرز لرئاسة الجمهورية لغاية الآن، وهما سليمان فرنجية وقائد الجيش العماد جوزيف عون مرجّحا الأوّل، في حين لم يجزم حصول الإنتخابات الرئاسية خلال المهلة الدستورية.
وتوقّع أنّ يكون لبنان بعد نهاية تشرين الأول المقبل على موعد مع انعدام التوافق على رئيس جديد، إلّا في حال حدثت معجزة كنتائج سريعة للحوار الوطني المزمع، وأردف: "من الصعوبة القول إن رئيسا جديدا سيدخل إلى قصر بعبدا بعد مغادرة الرئيس عون، ووفق ما يتم التداول به بين مختلف القوى السياسية المحليّة ، فإن حالة الفراغ الرئاسي أو "خلو سدّة الرئاسة"، ستشكل المشهد السياسي العام في لبنان".
طريق الهدوء السياسي غير معبدّة
منذ الآن حتى تشكيل الحكومة الجديدة وانتخاب الرئيس الجديد: هل سنشهد هدوءا سياسيا؟
على ما يبدو فإنّ السجالات لن تنتهي بانتهاء الإستحقاق الإنتخابي، وفي هذا يرى شومان أنّه من المفترض أن يدخل اللبنانيون في يوم آخر مع فجر الاثنين 16 أيار، وأن يصبح الخطاب السياسي الحاد من مخلّفات التنافس الإنتخابي، ولكن لا يبدو أنّ هذا الأمر سيتحقق، فالإنقسام السياسي أعمق من أن تلتئم جراحه سريعا، متوقعا أن يستمر الإنقسام وحالة الإستقطاب لحين انعقاد مؤتمر الحوار الوطني ونضوج التسوية السياسية، وبطبيعة الحال الطريق إلى ذلك شائكة وطويلة.
أشهر غير سعيدة
أكثر ما يشغل بال اللبناني اليوم هو الخدمات الحياتية التي تتسرّب من بين يديه يوما إثر يوم، فالمرحلة الإنتقالية إلى حكومة جديدة ورئيس جديد، يمكن أن يعتريها الجمود لأشهر، وبالتالي تهور خدماتي.
يؤكد شومان أنّ لبنان يشهد الآن حالة انهيار شاملة، فمعظم الخدمات العامة تقلّصت لدرجة النفاد، في ظلّ غياب لخطط الإنقاذ عن برامج غالبية القوى السياسية، وهذا بحدّ ذاته لا يدعو للتفاؤل القريب، ويدفع للإستنتاج بأنّ مرحلة ما بعد الإنتخابات لن تكون مدخلا لحلّ مرتقب، بل على العكس، ففي ظل غياب الإصلاحات وخطط الإنقاذ والتعويل فقط على الإقتراض من صندوق النقد الدولي ومعاييره ومقاييسه، يعني أنّنا مقبلون على مزيد من الأشهر غير السعيدة من ملامحها العودة إلى ارتفاع سعر العملة الخضراء، وهذا يكفي للقول بأن أمام اللبنانيين منعطفا جديدا من الإنهيار والإنزلاق نحو الأسوأ.
أزمة لبنان من أصعب الأزمات في العالم
لم يسجلّ تاريخ لبنان أزمة إقتصادية بهذا الحجم، وهو ما يؤكدّه لـ "الديار" رئيس الإتحاد الدولي لرجال وسيدات الأعمال اللبنانيين MIDEL الدكتور فؤاد زمكحل، لافتا إلى أنّ الأزمة التي يمرّ بها لبنان من أصعب الأزمات بتاريخ العالم حسب مرصد البنك الدولي والبلدان المانحة، مشددا على أنّها أزمة سيولة بالعملات الأجنبية والعملة الوطنية التي تسحب من السوق بخطة جديدة، ولافتا إلى أنّ الأزمة لن تحل بوقت قصير أو بانتخابات، وأنّه على الرغم من بدئها منذ نحو السنتين والنصف فإنّه لم يتّم اتّخاذ أيّ قرار واضح أو وضع إستراتيجية موحّدة من السلطتين التنفيذية أو التشريعية، ولا نزال ضمن تجاذبات سياسية تصلح في الحياة الديموقراطية العادية وليس حينما تكون هناك أزمة إقتصادية واجتماعية بهذا الحجم.
ألا يمكن التعويل على الإنتخابات كمدخل للتغيير؟
يجيب زمكحل إنّنا لا نستطيع القول إن الإنتخابات ستغيّر فالمشكلة هي في إدارة الأزمة واذا بقيت الطريقة كما هي -آخر ثلاث سنوات- فلن يكون هناك أيّ تغيير، فالموضوع يتعلّق بإدارة أزمة واضحة واستراتيجية واضحة ومشروع صندوق نقد و ضغط سيولة، لافتا إلى أنه لن يتغيّر أي شيء بعد الإنتخابات على مستوى الموضوع النقدي والمالي بل سنكون خلف الإتفاق السياسي الذي أمّن بعض الإستقرار للدولار خاصة في منصة صيرفة، فهناك احتمال ألا يستطيع مصرف لبنان أن يموّل "صيرفة ".
قد تتوقّف "كهرباء لبنان" عن الإنتاج
بالحديث عن موضوع الكهرباء الذي يمثّل العبء الأكبر من هموم الناس المعيشيّة، يوضح زمكحل أنّ الدولة اللبنانية لم يعد لديها السيولة لتمويل شركة الكهرباء ليس لناحية الخسائر فحسب إنّما لناحية الأموال التشغيلية كصيانة المحطّات وتأمين الوقود اللازم نتيجة ارتفاع سعر الدولار والتضخّم الدولي وارتفاع أسعار النفط ومشتقاته عالميا، متوقّعا أن تتوقّف شركة الكهرباء عن الإنتاج على المدى القصير، معتبرا أنّه حتى الخصخصة لم تعد مجدية لان قيمة بيع شركة الكهرباء لن يؤمن شيئا للدولة والمواطنين والحل الوحيد هو عبر b.o.t أي إعطاء الإدارة لشركة داخلية أو دولية تقوم بالإستثمار وتقديم الخدمات عبر امتياز على مدى 20 عاما وتبقى الملكية للدولة.
أمّا عن الإتصالات فأزمتنا كبيرة على ما يقول زمكحل الذي أوضح أنّ القطاع مقسّم بين خاص و عام، وأنّه يجب على الدولة (وزارة الإتصالات وأوجيرو) والشركات الخاصة دفع التزاماتهم للشركات الاقليمية والدولية التي تؤمن لنا الإتصالات وشبكة الإنترنت بالأموال الصعبة والفريش وهذا يتعذّر عليهم كونهم يقبضون بالليرة اللبنانية وبأسعار متدنية، وفي الوقت نفسه لا يستطيعون رفع الأسعار بحكم القانون، وحتى إن قاموا بذلك فلن يستطيع المواطن الدفع، ولن تستطيع الشركات تغطية خسائرها الكبيرة، ما سيشكل ضغطا كبيرا على لبنان لأنّ الإتصالات والإنترنت هي النافذة الوحيدة المنفتحة أمام ابنائه للعمل داخليا وخارجيا وإدخال بعض من "الفريش دولار"، محذرا أنّه اذا قطع الإنترنت في لبنان سيصبح سجنا كبيرا وسننقطع نهائيا عن العالم وهذه كارثة وجريمة اقتصادية.
حول ما يتعلّق بموضوع الغذاء يشير زمكحل إلى التضخم الدولي الناتج من ضخ السيولة وما يسمّى بالحرب العالمية الثالثة ضد الوباء ما أدى إلى تضخّم عالمي إضافة الى حرب عالمية رابعة بين أوكرانيا وروسيا ما أثّر في كل المواد الغذائية من أوكرانيا وأوروبا وكل المنطقة وسيؤدّي بدوره إلى تضخّم مالي، مستشهدا بتحوّل قسم كبير من العملات الى عملات مشفرة وحصول تغيير بالاقتصاد الدولي، لافتا إلى أنّ لبنان يدفع ثمنا مزدوجا لجهة تضخم داخلي نتيجة تدهور سعر الصرف وتضخم دولي، لكنه قال في النهاية انّ لبنان بلد صغير ينهار بسرعة لكنه يستطيع أن ينمو بسرعة.
يمنى المقداد - الديار