عباس ابراهيم: ليس مستحيلاً الوصول إلى معرفة المسؤولين عن انفجار المرفأ
اجرت اذاعة مونت كارلو الدولية من بيروت، في اطار انتقال بعثتها اليها لمواكبة الذكرى الاولى لانفجار مرفأ بيروت، حديثاً مع المدير العام للامن العام اللواء عباس ابراهيم، حاوره فيه الزميلان رئيس تحرير الاخبار اندريه مهاوج ومراسل الاذاعة في بيروت نقولا ناصيف، تناول تداعيات انفجار المرفأ قضائيا وسياسيا ووطنيا، والوضع المتأزم في لبنان، الى دور الامن العام في المرحلة الحالية على صعيد امن البلاد.
اللواء عباس ابراهيم، هذه اطلالتك الاولى على مستمعي اذاعة مونت كارلو الدولية، لكن في هذه المناسبة سنبدأ لو سمحت بقضية تفجير المرفأ ونحن في الذكرى السنوية الاولى.
اولا، اتوجه من خلالكم بأحر التعازي الى اهالي الشهداء، واتمنى الشفاء للجرحى. اعرف حجم المصيبة التي المّت بهم، وهي في الحقيقة المّت بكل الوطن وليس باهل الشهداء فقط. نحن في الامن العام جزء من اهل الشهداء، لأن لدينا ثلاثة شهداء سقطوا في محاولة اخماد الحريق الذي ادى الى انفجار المرفأ. لذا فان وجعهم وجعنا وألمهم المنا وخسارتهم خسارتنا، واعتقد في النهاية انها خسارة وطنية ليس لها علاقة بمؤسسة ولا بأفراد.
هل يمكن القول ان اللبنانيين عموما واهالي الضحايا والمتضررين خصوصا يمكن ان يصلوا يوما الى ان يعرفوا حقيقة ما حصل في مرفأ بيروت قبل سنة؟
لا تضيع حقيقة وراءها متابع. لكننا لا نريد ان نستعجل الامور. ساعطي مثلا هنا بما اننا في حضرة اذاعة مونت كارلو، وهو الانفجار المماثل الذي وقع في مدينة تولوز عام 2001. هذا الانفجار استمر التحقيق فيه حتى عام 2012 بمعنى انه استمر 11 سنة. انا لا اقول ان الحقيقة لن تظهر، لكن هذا النوع من العمليات او الانفجارات في حاجة الى وقت، والوقت هو الكفيل باظهار الحقيقة. التسرع والسرعة والضغط لن تؤدي الى الحقيقة المطلوبة، لذلك على الجميع ان يتحلوا بالصبر اذا كانوا يريدون الوصول الى الحقيقة. اما اذا كان المطلوب غير ذلك فالعجلة مهمة جدا.
الامن العام مسؤول عن تنظيم تنقل الاشخاص كما هو معروف، وله وجود في المرفأ. هل تقع عليه اي مسؤولية تجاه ما حدث في 4 آب من العام الماضي؟
صلاحياتنا كمديرية عامة للامن العام محددة جدا في قانون صدر سنة 1959 وهذا القانون لن يتغير. لا علاقة للامن العام ولا صلاحية للامن العام بالتعاطي مع البضائع في المرفأ. الامن العام معني بدخول وخروج الاشخاص، وبالتقصي عن الاشخاص داخل المرفأ وخارجه وعلى امتداد الاراضي اللبنانية. اذن، انطلاقا من سؤالك، ليس للامن العام صلاحية ابدا في التعاطي مع البضائع اذا كانت خطرة او غير خطرة. هذا الموضوع له اجهزة مختصة به اضافة الى ادارة واستثمار المرفأ.
سعادة اللواء لماذا تم تسريب اسمك عبر وسائل الاعلام طبعا في هذا الملف؟
يجب ان تسأل الذي سرّب ما هو السبب. يجب ان تسأل الذي لم يتبع الاصول القانونية باستدعائي كشاهد، ومن ثم القيام بالخطوة التالية. نحنا قمنا بالخطوة التالية قبل ان نقوم بالخطوة الاولى، وبالتالي يجب ان تسأل الذي قام بهذا الاجراء.
ثمة مسؤولية يتحملها احد ما او اكثر من احد عما حصل في مرفأ بيروت، هل سيكون في وسع القضاء اللبناني الذي يصفه البعض بالمسيّس او المتأثر بالتبعية السياسية، الوصول الى حقيقة ما حدث ويلقي القبض على المسؤولين المباشرين والاقتصاص منهم؟
بالتأكيد، اذا اصررنا على الوصول الى الحقيقة، فلن نعدم وسيلة. لا نحن ولا القضاء. حتى كأجهزة امنية نحن في تصرف القضاء للوصول الى الحقيقة، واعتبر ان اي واحد منا يملك معلومات يجب ان يقدمها الى المحقق العدلي ويجب ان يقدمها الى القضاء، وهذا واجب وطني للوصول الى الحقيقة. ليس بالمستحيل الوصول الى الحقيقة، وليس بالمستحيل ان يعرف اهالي الشهداء وعموم اللبنانيين الذي جرى وكيف وصلنا الى ما وصلنا اليه والى كارثة في هذا الحجم. لكن المطلوب الهدوء والتروي والتعاطي مع الملف تقنيا فقط، ليس الا. اعود واستشهد بانفجار تولوز والانفجارات المماثلة، حتى ان هناك انفجارا حصل سابقا في اميركا واخذ من الوقت ما اخذ للوصول الى الحقيقة.
لكن الموضوع يأخذ في لبنان جدلا سياسيا اكثر من كونه ملفا قضائيا محصورا؟
نعم وياللاسف، كل ملف في لبنان يتم تلويثه بلوثة السياسة.
في اطار اوسع من الاطار الامني، الامن العام كما هو معروف وكما ذكرت موجود في كل المرافق البرية والبحرية والجوية. في ظل الوضع الراهن اليوم في لبنان وفي المنطقة، هل ثمة اخطار من اختراقات امنية على الداخل اللبناني؟
طبعا. سبق وقلت في مناسبات عدة وآخرها في فرنسا لدى اجتماعي مع الوزراء الفرنسيين، ان هناك اعادة نهوض لداعش في المنطقة إن في سوريا او في العراق بشكل خاص، وهذا الموضوع لا بد من ان تكون له تداعيات وامتدادات الى لبنان. من هذا المنطلق، اتخذنا اجراءات ورفعنا درجة التأهب ودرجة الاستعلام، حتى لا تكون هناك اختراقات كبيرة داخل لبنان، وقد تحدث في اي وقت، لكن ما نقوم به نحن هو الحد من هذه الاختراقات. من المؤكد اننا نتأثر بما يجري حولنا في الدول الشقيقة، ومن الطبيعي ان يكون هناك تنسيق امني بيننا وبين هذه الدول لتخفيف المخاطر على لبنان والشعب اللبناني.
للتأكيد على هذا الامر حضرة اللواء، ما اهمية الامن الاستباقي الذي كان الامن العام سباقا الى اعتماده ومتقدما فيه على سائر الاجهزة الامنية اللبنانية، ماذا اعطاكم الامني الاستباقي وماذا منع وكيف امّن الحماية للبنانيين؟
دعني بداية اشرح ما هو الامن الاستباقي وكيف ان يمكن نصل اليه؟ الامن الاستباقي هو السباق في الحصول على معلومة لكي تتخذ تدابير تمنع التداعيات السلبية لهذه المعلومة، كتنفيذ اي عمل ارهابي ينوي الارهابيون القيام به او غير الارهابيين. اكيد الامن الاستباقي هو امن وقائي، فهو يتعامل مع الحدث قبل وصوله ويخفف الاضرار عن الشعب اللبناني، عن اي هدف رسمي او غير رسمي لبناني. الامن الاستباقي هو ان تصل الى القاء القبض على الذين يفكرون في القيام بعمليات ارهابية قبل القيام بها، واعتقد ان احد ابرز العمليات الاستباقية التي قمنا بها وكانت فاتحة الامن الاستباقي في لبنان هي عملية فندق دي روي في الروشة، عندما دهم عناصر الامن العام غرفة يقيم فيها ارهابيون قاموا بتفجير انفسهم. كانوا في صدد القيام بعملية في احدى المناطق اللبنانية.
ما هو وضع المؤسسات الامنية في لبنان؟ نعرف انها تعاني من صعوبات ومشاكل في ظل الازمة الاقتصادية الراهنة، ورأينا وسمعنا عن موضوع الجيش. في المقابل، استطاع الامن العام ادخال تحسينات كبيرة على طريقة التعامل وقام بتسهيل المعاملات مع المواطنين وما الى ذلك، وهو ما لاحظناه خلال وصولنا الى المطار. ما هو وضع هذه المؤسسة اليوم في ظل توليكم ادارتها في العام 2011؟
على صعيد المديرية بدأنا في تحديثها ووضعنا خطة خمسية. منذ اليوم الاول لتسلمنا منصب المدير العام للامن العام كانت هناك تقديمات سعودية في ذلك الوقت، من حسن حظنا، لمساعدة الاجهزة الامنية اللبنانية. بفضل هذه المساعدات تم تحديث برامج الالكترونية على الحدود لضبط الحدود، كما انه تم اطلاق الجواز البيومتري. نحن نقطف حاليا ثمار هذا العمل الذي قمنا به ايضا استباقيا، فقد كنا نرى ان الامور ذاهبة في اتجاهات لن تستطيع الدولة معها ان تلبي احتياجاتنا، فاتكلنا بشكل كبير على المساعدات او على الهبة السعودية للاجهزة الامنية، وقد كنا السباقين في الحصول على حصتنا من هذه الهبة. لكن بالنسبة الى الاجهزة الامنية الاخرى، وياللاسف، قد يكون الجيش منها لا اعلم، تأخروا عن تقديم ما يلزمها من هذه الهبة، وتوقفت الهبة عند حد لم تستطع بقية الاجهزة ان تحصل على ما هو لزوم قيامها بالعمل. نحن كنا السبّاقين في تقديم متطلباتنا للقيمين على هذه الهبة، لذلك نحصد الان نتيجة هذا العمل.
بالنسبة الى دورك كوسيط، الم تستطع ان تلعب دور الوسيط ايضا من اجل الاجهزة الامنية الاخرى؟
اعتقد ان الاجهزة الامنية تقوم بواجبها واكثر في محاولة للحصول على ما تحتاج اليه من الدول الصديقة والشقيقة. ونحن بدورنا نقوم بما يلزم لتأمين صمود المؤسسة وصمود العسكريين. اذا احتاج احد الينا لنلعب دور الوسيط سنرحب طبعا، لأن من المؤكد ان الوساطة ستؤمّن حصة للمديرية.
تحدثت عن دورك في المديرية العامة منذ عام 2011، لكن هناك دورا آخر مهما تضطلع به وقد برزت من خلاله اكثر من اي من اسلافك، وهو الدور الذي قد يكون وسيطا سياسيا وامنيا واحيانا بعيدا او في معزل عن وظيفة المدير العام للامن العام. في امثلة على ذلك، تبادل الاسرى ومخطوفين واطلاق جنود لبنانيين، هناك سيرة طويلة من اعمال الوساطات التي اجريتها مع دول عربية واجنبية وفي الداخل اللبناني. من اين استمديتم دور الوسيط في هذه الملفات الامنية والسياسية، هل كنتم البديل من اصيل غائب او فقد دوره؟
في احيان كثيرة كنت بدلا من ضائع، وقمت شخصيا بمبادرات، لكني اعتبر هذا العمل من صلب عمل اي شخص يريد ان يعمل في الامن. فهذا العمل من صلب دوره ومن صلب واجباته، لان في البداية نحن بدأنا هذا المضمار من خلال استعادة مخطوفي اعزاز، واستعادة جثامين القتلى في تلكلخ. بدأ الموضوع لبنانيا لبنانيا، او بدأ في مكان ما لبنانيا ـ سوريا ـ تركيا ـ قطريا. كانت له تشعبات كثيرة، لكن في النهاية كان لخدمة اللبنانيين. نتيجة الخبرة التي اكتسبناها في هذا الموضوع، اصبحت هناك دول تتصل بنا للقيام بدور الوساطات، وعندما تصبح الامور خارجة عن نطاق الدولة اللبنانية لا بد من استئذان السياسيين للقيام بهذه الادوار. الحمدلله نجحنا في الكثير من هذه المهام. اما في الموضوع السياسي فهذا موضوع داخلي، واعتقد ان مدير الامن العام كان يلعب تقليديا هذا الدور من اسلافي، وكل منهم بنسبة متفاوتة. يمكن القول انني اتيت في ظروف سياسية صعبة تظهر هذا الدور اكثر، لأن الظروف تقتضي هذا التدخل وهذه الوساطات.
آخر الوساطات هي موضوع الرعايا الالبان في سوريا؟
نعم بالامس انتهت هذه المهمة وانتهى الجزء الاكبر منها. امتدت هذه المهمة على مدى سنتين وتمت استعادة 25 امرأة وطفلا، وكان عدد آخر في دفعة 19 شخصا (5 نساء و 14 طفلا) اعيدوا في الامس في طائرة خاصة اتى بها دولة رئيس مجلس وزراء البانيا الصديق ادي راما واصطحب فيها الجميع الى البانيا.
من خلال تجاربكم في مجال السياسة كما ذكرت كدور الوسيط، اين تكمن العلة الان في عمل او انتظام عمل المؤسسات في الدولة اللبنانية، وهل يمكن القول انها اصبحت على حافة الانهيار؟
الدولة اللبنانية تمر في ظروف صعبة جدا، لكن لكي لا نجعل من الامر كارثة الموضوع سهل جدا، وتوافق اللبنانيين على الحل السياسي هو الوصفة السحرية للخروج من الازمة غدا. واقول التوافق هو على تأليف حكومة لأن تأليفها هو المفتاح السحري لحل جميع المشاكل التي نمر فيها. الوضع صعب جدا وهو على حافة الانهيار، لكن موضوع انقاذ لبنان واعادته للعب دوره التاريخي والطبيعي ليس بالامر المستحيل اذا ما توافق اللبنانيون على ذلك.
هل هناك امل في الوصول الى هذا الانقاذ وخصوصا ان الطبقة السياسية هي في مواجهة مع الشارع، وقد اصبحت لها سمعة سيئة في المجتمع الدولي والدليل التهديد بعقوبات على مسؤولين وقيادات لبنانية، وفي ظل انهيار المؤسسات والنقد الوطني والاقتصاد وايضا تعثر تأليف الحكومة؟
الدول تتعامل معنا انطلاقا من مصالحها وليس مصالحنا، ومعاقبة المسؤولين اعتقد انه نتيجة ايمان هذه الدول بأن هؤلاء قادرون على اجتراح الحلول. اذن الموضوع هو لبناني ـ لبناني والموضوع هو حل لبناني، وعندما يقوم احد بمعاقبة احد كونه يدرك ان نتيجة هذه العقوبة يمكن ان تولد حلا للمشكلة، لذلك دعنا نحل مشكلتنا من دون عقوبات وحلها في يد السياسيين. الفجوة القائمة بينهم وبين شرائح كبيرة من المجتمع سببها عدم الثقة المتراكم من عشرات السنين. اعود واكرر ان الدول تنوي معاقبة اللبنانيين لأنها على ثقة بانهم قادرون على صناعة الحلول.
حصلتم على تقدير عدد كبير من الدول الاجنبية على اعمال قمتم بها على رأس المديرية وايضا بالنسبة الى الادوار التي اطلعتم بها، وكان لكم تكريم في الولايات المتحدة الاميركية واستقبالات فيها حفاوة في فرنسا وبعض الدول. هل تتحضرون لدور مستقبلي خارج اطار العمل الامني، دور سياسي ما؟
لا اريد ان افتح على نفسي باب المشاكل، علما انني لا اتحضّر ولا اكرّس عملي او جزءا منه في المديرية او صلاحياتي من اجل الوصول الى اي مركز سياسي. انا لا اتحضّر، لكن اعتقد انه اصبح معروفا في لبنان، ان العسكريين بشكل عام لهم دور في السياسة الداخلية بعد تقاعدهم، وانا لست شواذا عن هذه القاعدة. لكن اذا لم تطبق هذه القاعدة لن اكون حزينا.
هل انت خائف على مستقبل لبنان؟
بكل صراحة كلا. لبنان تعرض لأزمات كثيرة وقد تكون هذه الازمة الاكثر حدة في تاريخه، لكني لست خائفا على مستقبل لبنان. ما يجري في لبنان هو نتيجة تجاذبات اقليمية ودولية والوضع ليس وضعا داخليا مفصولا عن الخارج بل هو نتيجة تجاذبات. وهذه التجاذبات لا بد من ان تحط رحالها عاجلا ام اجلا. المطلوب هو الصمود والصمود فقط، وانا متأكد من أن لبنان سيخرج من هذا النفق.
إذاعة مونت كارلو الدولية