تظاهرات جديدة في الخرطوم وقلق من تصاعد العنف

تظاهرات جديدة في الخرطوم وقلق من تصاعد العنف
متظاهرون مطالبون بحكم عسكري يرقصون قرب القصر الرئاسي للاحتجاج على حكومة عبدالله حمدوك في 17 تشرين الأول/أكتوبر 2021 أ ف ب

في ظل مخاوف من حدوث مواجهة مفتوحة بين الشارع السوداني والأجهزة الأمنية، وما قد يؤدي إلى سقوط مزيد من الضحايا والانعكاسات السلبية المهددة للاستقرار والأمن، دعت تنسيقيات منطقة أمبدة، إحدى ضواحي مدينة أم درمان، بشكل مفاجئ ومباغت، إلى تسيير مسيرات احتجاجية اليوم الثلاثاء 4 كانون الثاني لمحاصرة القصر الرئاسي في الخرطوم، احتجاجاً على مقتل 7 متظاهرين في احتجاجات يومي الخميس والأحد الماضيين، ما يرجح توسع دائرة التظاهرات لتشمل مدينتي الخرطوم والخرطوم بحري وبعض مدن السودان الرئيسة، للمطالبة بإبعاد العسكر من المشهد السياسي وتسليم السلطة كاملة للمدنيين. 

وسارع تجمع المهنيين السودانيين الذي يقود الحراك الثوري في البلاد إلى جانب لجان المقاومة، إلى تبني الدعوة لهذه المسيرة. وقال في بيان: "إلى ثوار أمبدة، لن تسيروا وحدكم يوم 4 يناير 2022، فجموع المهنيين والعاملين بأجر معكم وبكم، إلى القصر الرئاسي حتى النصر"، رافعاً شعارات "كل السلطة والثروة للشعب". 

وأعلنت اللجنة الفنية في مجلس الأمن والدفاع عن إغلاق جميع الجسور التي تربط الخرطوم بمدينتي أم درمان والخرطوم بحري، ما عدا جسري سوبا والحلفاية البعيدين نسبياً عن مركز التظاهرات (قلب العاصمة)، ويهدف هذا الإجراء لمنع تدفق المتظاهرين لمنطقة وسط الخرطوم وعرقلة حركة وصولهم إلى القصر الرئاسي الذي يعد وجهة المتظاهرين الرئيسة، فضلاً عن تطويق هذه المنطقة بطوق أمني كثيف وآليات عسكرية ثقيلة مع إطلاق تحذيرات من الاقتراب إليها. ويتوقع أن تقوم السلطات السودانية بقطع خدمات الإنترنت والاتصالات في جميع مدن السودان خلال هذا اليوم لعرقلة عمليات التنسيق بين المتظاهرين.

جدول تصعيدي 

وتعد هذه المسيرة الـ14 منذ إعلان قائد الجيش السوداني عبدالفتاح البرهان في 25 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي حالة الطوارئ وفض الشراكة مع المدنيين وتعطيل الوثيقة الدستورية الموقعة بين المكونين المدني والعسكري في 17 آب 2019، والأولى بعد تقديم رئيس الوزراء عبدالله حمدوك استقالته رسمياً في خطاب بثّه تلفزيون السودان مساء الأحد، احتجاجاً على ما وصفه بحالة التشرذم بين القوى السياسية السودانية، وعجزه عن إنجاز التوافق السياسي الوطني الذي ظل ينادي به من خلال مبادرات عدة طرحها خلال توليه رئاسة الوزراء، لكنها لم تجد آذاناً صاغية، فضلاً عن الوتيرة المتسارعة للانقسام بين الشريكين، ما أثر في فاعلية وأداء الدولة، لتدخل الأزمة السودانية منعطفاً جديداً ربما أكثر حدة لم يشهده السودان منذ استقلاله قبل 66 عاماً. 

وتسبب التواصل المستمر للتظاهرات التي تندلع هذه الأيام في مدن العاصمة المثلثة في إحداث حالة من الاختناق المروري والأمني والسياسي في شوارع الخرطوم، وسط جداول معلنة من لجان المقاومة للاحتجاجات طوال يناير الحالي، تحت شعار "لا شراكة لا تفاوض لا مساومة"، حيث أعلن المكتب الميداني لتنسيقيات لجان مقاومة ولاية الخرطوم الجمعة 31 كانون الأول الماضي الجدول التصعيدي لمسيرات شهر يناير، والتي تشمل أيام 6، و12، و17، و24، و30 من هذا الشهر، مؤكداً في بيان له أن التصعيد سيتواصل ولن يتوقف إلا برحيل المكون العسكري من المشهد السياسي وتسليم السلطة للمدنيين، وأن شهر يناير لن يكون سدرة منتهى، إذ يتخلله أيضاً مسيرات مفاجئة غير معلنة في الجدول التصعيدي لهذا الشهر. 

وكان سياسيون وقانونيون قد أرجعوا الإفراط في العنف الذي استخدمته الأجهزة الأمنية لقمع المتظاهرين خلال الأيام الماضية الذي أدى إلى مقتل 55 متظاهراً، بحسب لجنة أطباء السودان المركزية، إلى الصلاحيات والسلطات التي مُنحت لهذه الأجهزة بموجب أمر الطوارئ الذي أصدره رئيس مجلس السيادة الأسبوع الماضي للتصدي للمتظاهرين بكل الوسائل المتاحة من دون أدنى مساءلة قانونية بحق أي فرد من القوات الأمنية في حال قيامه بعمليات اعتقال أو تفتيش أو غيره من الأعمال ذات الطابع الأمني. 

واشتمل أمر الطوارئ على عدم اتخاذ أي إجراءات في مواجهة أفراد القوات الأمنية التي تتولى تنفيذ قانون الطوارئ وحماية السلامة العامة لعام 1997 المعلن في أكتوبر 2021 وفق المرسوم الدستوري رقم 18، على أن تنتهي مدة صلاحية هذا الأمر بانتهاء حالة الطوارئ المعلنة في البلاد حالياً.

وتأتي إعادة هذا الأمر من جديد بعد أن تم إلغاؤه عقب سقوط نظام الرئيس السابق عمر البشير في نيسان 2019، حيث جرى آنذاك تجريد جهاز الاستخبارات العامة من سلطات الاعتقال والتوقيف، وتم النص في الوثيقة الدستورية التي وقعت بين المكونين العسكري والمدني في 17 أغسطس 2019 لإدارة شؤون الحكم في البلاد، على حصر صلاحياته في جمع المعلومات وتحليلها وتقديمها لجهات الاختصاص لتقوم باللازم. 

استقالة حمدوك 

وما زال الحديث عن استقالة حمدوك يسيطر على الشارع السوداني وسط حالة من الانقسام تجسدها منشورات وسائل التواصل الاجتماعي، فهناك من يرى أن الاستقالة ستعقد الأزمة السودانية المستفحلة منذ إجراءات البرهان في 25 أكتوبر، بينما يعنقد البعض أنها ستحفز الشارع لاستعادة الحكم المدني من خلال المسيرات السلمية المتواصل، فيما ذهب آخرون إلى أن استقالته جاءت نتيجة طبيعية لعجزه طوال فترة حكومته عن إحراز أي تقدم يذكر على الأصعدة الخدمية والاجتماعية والاقتصادية، إذ ظلت كل أطروحاته تقف عند محطة الأمنيات والوعود، وأن البلاد تحتاج إلى رئيس وزراء قوي الشخصية يمتلك رؤية واستراتيجية واضحة المعالم، يعمل على تطبيقها بإيقاع أسرع مما كان عليه الوضع، حيث أسرف رئيس الوزراء المستقيل في خطابات نظرية تدغدغ مشاعر الناس من دون عمل ملموس. 

وكانت الأنباء قد راجت بكثافة بين النفي والتأكيد، طوال ديسمبر الماضي بشأن تقديم حمدوك استقالته رسمياً خلال اليومين الماضيين، بينما تحدثت أخرى على لسان مصادر مقربة منه عن اعتزامه الاستقالة، بينما ذهب الآخر إلى القول إن الاستقالة لم تقدم مكتوبة، أما على مستوى الإعلام المحلي ووسائل التواصل الاجتماعي، أفادت أنباء بتوجيهات من رئيس الوزراء للعاملين في مكتبه بإعداد ملفات التسليم والتسلم. 

وأدى حمدوك اليمين الدستورية في 21 من أغسطس 2019، وعاد إلى السودان وهو يحلم ببناء مشروع وطني عريض لا يقصي أحداً، معتبراً أن المنهج البراغماتي في الإصلاح الاقتصادي السوداني سيكون فعالاً ومثمراً، فضلاً عن أولوياته في وقف الحرب وإصلاح العلاقات الخارجية، وتم عزله من منصبه في 25 أكتوبر الماضي بعد انقلاب الجيش. وفي 21 نوفمبر العام الماضي، وقع على الاتفاق السياسي مع البرهان، وعاد بموجبه من جديد إلى منصبه وسط احتجاجات حاشدة مستمرة.

اسماعيل محمد علي - اندبندنت عربي