الدول الصغرى ضحية المصالح الكبرى
الملاحظ في هذه الفترة صراع دولي - دولي - إقليمي وخاصة بين بعض الدول المجاورة، وقد يكون هذا الصراع مرحلياً أو منذ فترات زمنية مختلفة ويُحاول من يُمسِك بالمسرح السياسي العام ترسيخ مفهوم خاص لمنظومته السياسية ولمصالحه الخاصة ولنفوذه على مدى سنوات طويلة على حساب الدولة الضعيفة، وبالتالي الهيمنة ضمن الأطر الممكنة على مقدراتها.
بالإشارة إلى الحرب الدائرة بين روسيا وأوكرانيا لا يهمّ الشعبين في الواقع مَن قام بالجريمة الحربية فقط وإنما أكثر ما يهمهما هو عدم استمرار هذه المشاهد المأساوية واللاإنسانية التي تُظَهّر للرأي العام بواسطة الإعلام وإبادة مراكز رسمية بأكملها ومشاهد تضرب هذه الإنسانية والضمير في العمق، حين يتم عرض صور لأحياء مدمّرة وأناس يلجأون إلى الأماكن الآمنة خوفًا من وابل القذائف، وهي وفق القانون الدولي جرائم حرب وقد تعبت الشعوب من المشاهد الدموية التي لا تريد الدول الفاعلة وضع حدٍ لها إنما فعليًا استمرارها في إطار صراع الأقطاب في أوكرانيا... ولكأنّ هذه الدول لم تكتف بما يُصيب الشعب الأوكراني من كوارث وتشريد وتهجير وهدم لبعض مدنه، فجاء الدور الآن ليعاني الشعب الأوكراني ما هو أكثر فداحة في ظل الصراع الدولي - الدولي داخل بلاده.
وفق علم السياسة، الظاهر أنّ الجميع ومن دون إستثناء يتصارعون عمليًا لحساب مصالحهم الخاصة ومشاريعهم ومخططاتهم ويضعون أعينهم على الثروات الأوكرانية، سواء أكانت غذائية أو نفطية، لذلك فإنّ لعبة الدول الكبرى بلغت ذروتها على الأرض الأوكرانية. وإستنادًا إلى الرسائل شبه المشفّرة فإنّ أحد أطراف النزاع وجه إنذارًا مبطنًا لناظريه أنه لا يمكنهم أن يسيطروا على منابع وثروات أوكرانيا دونما الأخذ بمصالحه، وهنا تقع المنازلة، أي هناك قوى أخرى تريد احتلال أو قضم بعض الأمكنة المنافسة وعليها الإعتراف بهذا الطمع، وإنّ أي تمدُّدْ سيؤدي إلى عواقب وخيمة بما يُنذر أن تكون المواجهات مكلفة على الأرض في صراع الأقطاب. والملفت دائمًا أنّ صراع الأقطاب الكبيرة غالبًا ما يكون على أرض الغير. دائمًا وبالإستناد إلى العلوم السياسية وتحديدًا القانون الدولي، هناك نوع من علاقات مصلحة بين طرفين وتبدأ عُرى الإنقسام تَتكشّف بين الحليفين حيث يعتبر أحدهما أن العلاقة التي تجمعهما هي أشبه بوصاية أكثر ممّا هي علاقة بين دول ذات سيادة. واللافت أنّ الصراع يتّسِع بين الدول الكبرى، وهذا ما يجعل إحداها تسعى لتوسيع رقعة الردع والعمل بشكل ذاتي على تعزيز النفوذ في مواجهة الأخطار الخارجية (الخطر الروسي - الصيني ...). وإستنادًا إلى تقارير خاصة لمراكز أبحاث دولية، إنّ هذا الصراع لا يقتصر على المعسكر الغربي بل تتجاذبه أطراف في المعسكر الشرقي كروسيا والصين مثلاً، ولا داعي للتذكير بما نُقِلَ عن السياسة الصينية أنها في طور تغيير إستراتيجيتها من الدفاع إلى الهجوم في بحر الصين الجنوبي، وفي المقلب الثاني إنّ روسيا تحاول كسب العديد من الأوراق في مواجهة السياسة الأميركية على المسرح السياسي الدولي، وقد إستغلّت في وقت من الأوقات التناقض الحاصل بين بعض الدول الأوروبية في محاولة منها لاجتذاب بعض مكوناتها لصالحها.
مرحليًا، من الملاحظ أنّ المسرح السياسي الدولي يخضع لتحولات عميقة وجذرية ناجمة عن عدة عوامل سياسية - جغرافية عسكرية - إقتصادية - مالية، فضلاً عما تشهده من صراعات عنيفة داخلية - داخلية وإقليمية - إقليمية ودولية - دولية، وفعليًا عدم إستقرار سياسي. وهذه الأمور تُهدِّدْ السلام بين الشعوب والأمن والسلم الدوليين في كل مناطق العالم وتتأثر العوامل الإقتصادية والتنموية والإجتماعية سلبًا بها، وستجعل من الصعب بمكان ما على العديد من البلدان بلوغ الأهداف التنموية. المؤسف أنّ واضعي السياسات على المسرح السياسي وأصحاب المصالح لم يتفهّموا حقيقة المخاطر للعنف والأزمات التي يفتعلونها وعامل عدم الإستقرار، كما لم يتداركوا خطورة العوامل التي تحرّك هذه المخاطر المتأتية من سياساتهم، كما أنهم لم يتمكّنوا من إيجاد السبل الصادقة والعلمية للتكيُّف مع سياسات سياسية - إجتماعية - إقتصادية وأمنية بطرق تؤدي إلى تعزيز الوقاية وتحسين القدرة على التعامل مع الشعوب والتخفيف من الآثار الضارة الناتجة عن سياساتهم الفاشلة.
قادة العالم فشلوا في إيجاد سياسة تُقيِّم المخاطر التي تنجم عن بلاء سياساتهم، وعمليًا فشلوا في إعداد منظومة سياسية تتضمن منهجية لتفادي المخاطر والنزاعات العنفية والأزمات الإنسانية وعدم الإستقرار السياسي على المسرح السياسي العام، كما فشلوا في إدارة وكبح مصادر المخاطر وأسبابها ومحركاتها وتفاعلاتها، وحتى الفشل طالَ الإتجاهات المستقبلية التي من المفترض سلوكها لدعم المصالح العامة للدول والشعوب، فكانت الحروب والويلات وآثارهما تنعكس سلبًا على الإقتصاد العالمي وعلى الدول الضعيفة. دائمًا يمكن الإستناد إلى القانون الدولي حيث تنص ديباجة ميثاق الأمم المتحدة على أنّ شعوب الأمم المتحدة آلت على نفسها تبيان الأحوال التي يمكن في ظلها تحقيق العدالة واحترام الإلتزامات الناشئة عن المعاهدات وغيرها من مصادر القانون الدولي، وتعمل المنظمة في مجال القانون الدولي من خلال المحاكم والمعاهدات المتعددة الأطراف فضلاً عن مجلس الأمن الذي له صلاحية نشر بعثات حفظ السلام وفرض العقوبات والإذن باستخدام القوة في حال تَواجد تهديد للسلم والأمن والدوليين. وتبعًا لما يَرد فإنّ الحرب الدائرة بين روسيا وأوكرانيا يجب أن تتوقف إستنادًا إلى ما ورد أعلاه في الديباجة، علمًا أن أحد طرفي النزاع متهم بتجريم استخدام القوة في العلاقات الدولية، وبالتالي بات لزامًا على مجلس الأمن التحرك لإنقاذ الأبرياء من الحرب.
إنّ أبعاد الحرب الروسية - الأوكرانية تكشف عورة النظام الدولي الذي جعل من أوكرانيا ضحية لصالح مصالح الدول الكبرى وتحديدًا الأميركيين والأوروبيين وبريطانيا من جهة، وروسيا ومن يُساندها من جهة أخرى. وبات من المعروف أنّ أسباب هذه الأزمة تلويح غَربي بضَم أوكرانيا إلى حلف الأطلسي، وبالتالي في المقلب الآخر قمّة عقدت بين الرئيس الروسي والصيني وهي نقطة تحوّل للمواجهة الكبرى، واستعَر الصراع بين المعسكرين على الأرض الأوكرانية... ما يحصل يكشف حقيقة سوء الإدارة الدولية في إدارة الملفات وعجز المؤسسات الدولية عن القيام بالدور المطلوب منها، وبالتالي بات من الواضح القول إنّ الدول الصغرى ضحية مصالح الدول الكبرى وما يحصل من تَناتش مصالح على المسرح الأوكراني هو صورة طبق الأصل عن تناتش المصالح الكبرى في الشرق الأوسط، وتحديدًا على المسرحين اللبناني والفلسطيني.
بسام ضو- الجمهورية