الحكومة تقوم بعملية "تأميم" تشمل المصارف وأموال المودعين

الحكومة تقوم بعملية "تأميم" تشمل المصارف وأموال المودعين

سقط مشروع القانون الهجين على أبواب المجلس النيابي البارحة خلال مناقشته من قبل اللجان النيابية. المشروع الذي يحوي على مجموعة إجراءات – يهدف إلى قوننتها في المجلس النيابي – كانت لتؤدّي بتحويل الإقتصاد اللبناني إلى إقتصاد شيوعي مع قيود صارمة على عمليات التحويل واستحالة جذب رؤوس أموال في ظل عملية تقييد لحركة رؤوس الأموال تدوم لعدّة سنوات.

المشروع الذي سقط في اللجان النيابية، أسقطه النواب الذين طالبوا بأن يتم مناقشة هذا القانون بعد مناقشة خطة التعافي التي تم تسريبها إلى الإعلام أول من أمس. ويعد سبب هذا الطلب إلى ما تحويه هذه الخطة على مصادرة لأموال المودعين لتسكير خسائر الدولة التي حمّلتها للمصرف المركزي والمصارف وبالتالي – وبقسم كبير – إلى المودعين!

السلطة السياسية تُحاول بشتّى الوسائل أن تعفي نفسها من المساءلة فيما يخص الدين العام الذي بلغ حتى فترة قريبة أكثر من 104 مليار دولار أميركي منها أكثر من 50 مليار دولار أميركي بالعملة الصعبة مصدرها الأساسي من مصرف لبنان (5.7 مليار دولار أميركي سندات يوروبوندز و15.6 مليار دولار أميركي تسهيلات صندوق بالدولار) والمصارف (14.6 مليار دولار أميركي سندات يوروبوندز) ومستثمرين أجانب (11.8 مليار دولار أميركي). إضافة إلى ذلك، تريد السلطة محو أثار أكثر من 10 مليار دولار أميركي تمّ إستخدامها منذ الأزمة في عمليات دعم للإستيراد.


ولتفادي المساءلة، عمدت السلطة بأركانها إلى إعتماد إستراتيجية مبنية على شقّين:

الشق الأول ينص على تحميل المصارف والمودعين الخسائر المالية والتي تصل إلى أكثر من 72 مليار دولار أميركي بحسب تقديرات الحكومة؛

الشق الثاني وينص على تحميل حاكم مصرف لبنان ورؤساء مجالس إدارة القطاع المصرفي المسؤولية القانونية عبر مهاجمتهم في القضاء. وما الإجراءات التي تمّ إتخاذها بحق الحاكم ورؤساء مجالس أدارة بعض المصارف إلا خير دليل على ذلك.

وبذلك تكون السلطة قد برأت نفسها قانونيًا (جزائيًا ومدنيًا) من أية ملاحقات عبر إدخالها في قانون يحميها من أي ملاحقة مُستقبلية! الجدير ذكره أن عددا من النقاط تمّ إثارتها على هذا الصعيد من دون أن يتحرّك القضاء كما فعل في ملف مصرف لبنان والمصارف:

التدقيق المحاسبي الذي قامت به وزارة المال على حساباتها منذ العام 1993 وحتى العام 2017 حيث وجدت أن هناك 27 مليار دولار أميركي «مجهولي المصير» بحسب التعبير المُستخدم.

التقرير الصادر عن ديوان المحاسبة والذي أشار إلى إختفاء 6 مليار دولار أميركي في وزارة الإتصالات.


القضاء الذي لم يتحرّك على أي من هذه الملفات، سيجد نفسه مُقيدًا بنص قانوني يمنع الملاحقة وبالتالي تُطرح علامات استفهام حول عدم تحرّك القضاء على تقارير رسمية تُثبت الفساد، وتحرّكه على معلومات صحافية نُشرت بحق حاكم مصرف لبنان؟

والأصعب في الأمر أن الحكومة العتيدة تدّعي عن غير وجه حق أن صندوق النقد الدولي وافق على مشروع قانون الكابيتال كونترول وعلى خطة التعافي وما يواكبها من إجراءات. هذا الأمر ينفيه البيان الرسمي الذي صدر عن صندوق النقد الدولي بتاريخ التوقيع على الإتفاق الإطار مع الدولة اللبنانية حيث ذكر بوضوح أهمية المساءلة.

على صعيد خطة التعافي، فهي تحوي على عدد من النقاط المتناقضة ستُخصص الديار مقالًا مفصلًا عن محتواها، والأهم في الأمر الكم من الوعود غير القابلة للتحقيق وكأننا نعيش في زمن الإنتخابات والذي عادة ما ينتهي وتنتهي معه مفاعيل الخطة بإستثناء العفو المالي على ما ارتكبه المسؤولين بحق المالية العامّة!

الخطة التي تعد بإعادة أموال المودعين الصغار (أقلّ من 100 ألف دولار أميركي للحساب الواحد) هي خطة غير قابلة للتنفيذ بالإضافة إلى أنها ستأكل ودائع كبار المودعين فهي غير قادرة على سداد مبالغ تفوق الـ 20 مليار دولار أميركي لصغار المودعين إلا إذا دفعتها بالليرة اللبنانية وهو ما سيخفّض قيمة الليرة إلى أكثر من عشرين مرّة قيمتها الحالية!!

لا تقول الخطة كيف ستبني إقتصاد مُنتج بل تكتفي بإلقاء وعود وتستخدم الكلمة الشهيرة التي استخدمتها الحكومة السابقة، «سوف»، بشكل مُفرط ظنًا منها أنها سترفع الإنجازات التي بدأتها الحكومة السابقة من 97% إلى 100%!

أما في ما يخصّ الوعود على الصعيد الإجتماعي، فإنها وعود في الهواء حتى أن الحكومة لم تستطع استيفاء الشروط لاقتراض المبلغ المُخصّص من البنك الدولي لدعم البطاقة التمويلية. الأموات يقومون من القبور لقبض مساعدات إجتماعية!

ويبقى الأخطر في الأمر عملية التأميم التي تقوم بها الحكومة بحق المصارف والتي لن يقوم قيامة للبنان بعدها خصوصًا أن الحكومة اغتصبت الدستور، الذي يحمي الملكية الخاصة، في طرحها لخطتها الإقتصادية والتي للأسف تستخدم عملية «تأميم» (تحت عدة مسمّيات) لا تتواجد في الأنظمة الحرّة بل في الإقتصادات الشيوعية. والمُلفت في الأمر أن الخطة التي تطرحها الحكومة الحالية هي نسخة منقّحة عن خطة حكومة حسان دياب التي كان يحسبها البعض على أنها حكومة لون واحد. فها هي حكومة ميقاتي التي تحوي على رأسماليين تطرح التأميم لحلّ مُشكلة لبنان!

الديار