"فال" في خبر كان... فهل تعود "المعاينة" إلى كنف الدولة؟
ليست المرة الاولى التي تنبعث فيها رائحة السمسرات والرشى و"الزعبرات" من مراكز المعاينة الميكانيكية، لكن القرار الفاضح لشركة "فال" المشغّلة للمراكز استيفاء مبلغ 120 ألف ليرة في مقابل كل معاينة ميكانيكية من دون أي مسوّغ قانوني اطاح حتى قواعد الفساد المعتمَدة لبنانياً. فعادةً يكون الفساد مقونناً، أما الشركة فاعتمدت الفساد "الوقح" المباشر من دون العودة الى الدولة او الى مرجعية القطاع... فقررت عن الدولة وجعلت نفسها مشرِّعة... هذه التجاوزات أفاضت كوب وزير الداخلية والبلديات بسام مولوي الذي وصلته شكاوى بالجملة من المواطنين واتحادات نقابات السائقين، فقرر وقف الشركة عن تنفيذ مهامها حتى إشعار آخر، وطلب من هيئة ادارة السير والمركبات استيفاء رسوم السير السنوية من دون الطلب الى صاحب العلاقة إبراز افادة صادرة عن "فال" تثبت أن السيارة خضعت للمعاينة والكشف الميكانيكي الدوري.
وفيما تكثر المطالبات باتخاذ الاجراءات القانونية بحق الشركة لإلزامها اعادة المنشآت التي تشغلها على اعتبار ان العقد الموقّع معها هو عقد BOT وكذلك اعادة نحو 4 ملايين دولار ذهبت هدرا، خصوصا ان عقد الشركة انتهى مفعوله منذ العام 2012 وجرى تمديده حتى 2015 ومن بعدها لم يجدد لها مجلس الوزراء. والفاضح أن الشركة لا تأتي على ذكر مبلغ الـ 120 ألف ليرة على الايصال المالي، ما يشكل مخالفة قانونية فاضحة كون العقد الموقع معها لا يتضمن اي امكان لزيادة البدل المالي، وتاليا عليها ان تحصل على موافقة وزارة الداخلية على الزيادة. وعلمت "النهار" أن الشركة كانت قد ارسلت كتابا في أول نيسان الماضي الى الوزارة اقترحت فيه رفع رسم المعاينة من 33 ألف ليرة الى 120 ألفا حتى يكون في مقدورها الاستمرار في عملها في ظل الظروف والأوضاع الاقتصادية والمالية التي تمر فيها البلاد. لكن الوزير لم يردّ على كتاب الشركة في انتظار اعادة دراسة العقد الموقع معها. أما "فال" فلم تنتظر جواب الوزارة، وعمدت بقرار احادي الى زيادة الرسم الى 120 ألف ليرة. بَيد ان الفاضح بالموضوع هو أن الشركة لا تعطي المواطنين ايصالات بمبلغ الـ 120 ألفا بل بـ 100 ألف ليرة فقط، ما استدعى من الوزير مولوي تحويلها الى النيابة العامة التمييزية للتحقيق في كيفية رفع الرسم الى 120 ألفا، وما هو مصير الـ 20 ألف ليرة غير المدرجة في الايصال.
وقد ورد الى وزارة الداخلية الكثير من المراسلات والمراجعات حول فساد الشركة، يضاف اليها كتاب من المجلس الاعلى للدفاع، يشدد على ضرورة اعفاء السيارات من المعاينة الميكانيكية بسبب الفوضى العارمة والحالات الشاذة امام مراكز المعاينة، لا سيما في مركزَي الحدت والشمال، ناهيك عن تعرّض المواطنين للسمسرة والابتزاز، وتأجير قطع السيارات، والزحمة الخانقة أمام هذه المراكز.
ويجري الحديث عن وجود تقارير بوجود شبهات تواطؤ بين "فال" والسماسرة ما افقد الغاية التي انشئت من اجلها، فضلا عن غياب الرقابة القانونية بعد انتهاء عقدها.
السلامة المرورية في خطر؟
غير ان قرار الوزير مولوي بما له من استعادة لقرار الدولة على هذا المرفق المتفلت، يحمل سلبيات اخرى ليس اقلها الضرر الذي قد يتأتى منه على السلامة المرورية. فقد انتقد الخبير في ادارة السلامة المرورية كامل إبرهيم قرار الغاء المعاينة الميكانيكية من دون الركون الى رأي المعنيين بالسلامة المرورية، قائلاً: "إذا كان ثمة مشكلة أو خلل في الشركة المشغلة، نعالج المشكلة وليس إلغاء المعاينة ككل". ابرهيم حيّا الوزير مولوي على انجازه الإنتخابات... بَيد انه عاب عليه إخفاقه في وضع حلول للسلامة المرورية، إذ لم يُسجل للوزارة اي انجاز في هذا المجال، لا بل ذهب أبعد من ذلك بإلغاء المعاينة التي تُعتبر الركن الاساسي في السلامة المرورية. وإذا كان البعض يتذرع بعدم وجود الاموال للسير قدماً بكل ما من شأنه تعزيز السلامة المرورية، وخصوصا حيال صيانة الطرق واشارات السير وغيرها، يؤكد ابرهيم ضرورة اجتراح الحلول "إن كان عبر طلب المساعدات من الجهات الدولية أو الاستعانة بالطاقة الشمسية لتأمين عمل اشارات السير. ولكن في المبدأ لا يمكن تحطيم كل ما انجزناه على مدى 15 سنة لأنظمة السلامة المرورية، بما يعني أن اللبناني سيُترك لقدره على الطرق، فيما الاموال التي دُفعت من جيوب المواطنين ذهبت هدرا".
وإذا سلّمنا جدلا بأن البلاد مفلسة، فإن ابرهيم يسأل: "لماذا لم يحاول وزير الداخلية الاجتماع مع المعنيين بالسلامة المرورية لإيجاد حل آني أو للفترة المقبلة، مع الاشارة الى أن الوزير هو عضو في المجلس الوطني للسلامة المرورية ورئيس اللجنة الوطنية للسلامة المرورية التي يجب أن تجتمع على الاقل مرة واحدة شهريا". ولكن في الواقع، "لم يدعُ الوزير طوال تولّيه مهام الوزارة الى اجتماع، وكذلك لم يفعل الوزير السابق محمد فهمي... لذا فإننا ذاهبون الى مرحلة كارثية بالسلامة المرورية، خصوصا في ظل غياب صيانة الطرق، وغياب تطبيق قانون السير".
والى ذلك، يشير ابرهيم الى أن الازمة المالية انعكست ايضا على امكان توافر البنزين لآليات القوى الامنية ونشرها على الطرق لمراقبة سرعة السيارات، متخوفا من الاطاحة بكل الانجازات في هذا الاطار، وكذلك تخوّف من إطالة فترة معالجة مشكلة المعاينة الميكانيكية واختيار شركة أخرى، "بما يعني اننا سنعود الى فترة ما قبل العام 2000 حيث كانت الفوضى تعمّ بالسلامة المرورية".
واذا كان ابرهيم يضيء على المخاطر التي قد يسببها الغاء المعاينة على صعيد السلامة المرورية، فإن الناحية الايجابية في الموضوع هي أن المواطنين سيتخلصون ولو لفترة من الذل و"البهدلة" على ابواب المعاينة والخضوع للسماسرة... والايجابية الاهم ان ايرادات الدولة ستزيد حيث سيغتنم المواطنون الفرصة لدفع ما يتوجب عليهم من رسوم متأخرة، وهو ما أكدته رئيسة هيئة إدارة السير هدى سلوم التي قالـت لـ"النهار" إن الغاء المعاينة الميكانيكية "سيزيد حتما ايرادات الدولة، ولكنه في المقابل سيضاعف الزحمة على ابواب "النافعة" على اعتبار أن الناس ستبادر الى دفع كل رسوم المعاينة المتوجبة عليها".
المشكلة القديمة - الجديدة التي تتحدث عنها سلوم هي تلك التي تتعلق بشحّ الايصالات والتي أدت اخيرا الى توقف المصلحة كليا عن العمل، اضافة الى أزمة رواتب الموظفين التي تمت معالجتها في الجلسة الاخيرة لمجلس الوزراء عبر إقرار المساعدة الاجتماعية لهم. وأكدت سلوم أنه يتم تأمين الايصالات اسبوعيا، و"في حال تامنت الامور اللوجستية الاخرى، سنبادر الى ايجاد آلية تحد من الزحمة، علما انه يمكن للمواطنين دفع الرسوم عبر شركات تحويل الاموال".
وإذ أعلنت سلوم أن الهيئة ستباشر تطبيق قرار وزير الداخلية بدءا من اليوم الاثنين، ردت على استفسارات المواطنين حول طريقة الدفع بالقول: "نقبل شيكات أو نقدي إذا كان المبلغ تحت 15 مليون ليرة، أما اذا كان فوق الـ 15 مليونا فنتقاضى المبلغ بواسطة الشيك المصرفي".
ولا بد من الاشارة الى أن اتحادات النقل البري طالبت بإعادة عمل المعاينة الميكانيكية إلى الدولة، عبر تعديل قوانين وقرارات إدارية تسمح بنقل الملف إلى كنف الدولة في أسرع وقت. وقد قامت بتحركات عدة في هذا الاطار ثم علقتها لـ"إعطاء فرصة للحكومة لتكون حكومة محاربة فساد فعلية"، وفق ما ذكر رئيس الاتحاد بسام طليس. لكن مصادر وزارة الداخلية استبعدت ذلك، بدليل أنها أعدت دفتر شروط لمناقصة جديدة لتشغيل مركز المعاينة واستحداث مراكز جديدة، ويتضمن في أحد شروطه ان تلتزم الشركة الجديدة تشغيل الموظفين المتعاقدين مع "فال". ورجحت تأجيل البت بالملف الى الحكومة المقبلة.
في الخلاصة، وعلى رغم الملاحظات "المرورية" على قرار وزير الداخلية وقف الشركة عن اجراء "المعاينة الميكانيكية"، بيد انه أتى كسيف ذو حدين، أولهما انه قطع دابر "التشبيح" على الناس والقانون، والثاني انه أنصف المواطنين ومنع سرقتهم، ورفد خزينة الدولة بعشرات مليارات الليرات الاضافية المتوقع تسديدها في هذه الفترة.
سلوى بعلبكي-النهار